الشيخ محمد رشيد رضا

404

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مرة انه خلق من تراب ، ومرة انه خلق من حمأ مسنون ، ومرة من طين لازب ومرة من صلصال كالفخار . فهذه الالفاظ مختلفة ومعانيها أيضا في الأحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمأة ، والحمأة غير التراب إلا أن مرجعها كلها في الأصل إلى جوهر واحد وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال فقوله سبحانه وتعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته » معنى واحد في الأصل إلا أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « مسح ظهر آدم » زيادة في الخبر عن اللّه عز وجل ومسحه عز وجل ظهر آدم واستخراج ذريته منه مسح لظهور ذريته واستخراج ذرياتهم من ظهورهم كما ذكر تعالى لأنا قد علمنا أن جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه ، لكن لما كان الطبق الأول من صلبه ، ثم الثاني من صلب الأول ، ثم الثالث من صلب الثاني جاز أن ينسب ذلك كله إلى ظهر آدم لأنهم فرعه وهو أصلهم ، وكما جاز أن يكون ما ذكر اللّه عز وجل انه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم جاز أن يكون ما ذكر صلّى اللّه عليه وسلّم انه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته إذ الأصل والفرع شيء واحد . وفيه أيضا انه عز وجل لما أضاف الذرية إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية وعن آدم كما قال عز وجل ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) والخبر في الظاهر عن الأعناق والنعت للأسماء المكنية فيها وهو مضاف إليها كما كان آدم مضافا اليه هناك ، وليسا جميعا بالمقصودين في الظاهر بالخبر ، ولا يحتمل أن يكون قوله ( خاضِعِينَ ) للأعناق لأن وجه جمعها خاضعات ومنه قول الشاعر وتشرق بالقول الذي قد أذعته * * كما شرقت صدر القناة من الدم فالصدر مذكر وقوله شرقت أنث لإضافة الصدر إلى القناة اه * * * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ